المتتابعات في القرآن الكريم

منهج القرآن الكريم في تنمية التفكير التصميمي

العقل نعمةٌ مَنَّ الله بها على الانسان، لهدفٍ وغايةٍ واضحة؛ ألا وهي التفكر والتدبر في خلقه وعظيم صنعه وقد أولى القرآن الكريم التفكير وإعمال العقل مساحة واسعة فهو من أرقى العبادات وأعظمها، وجاءت الكثير من الآيات التي تدعو وبشكل صريح للتدبر والتفكر في ملكوت الله. فمآل هذه العبادة أن يستقر الإيمان بالقلب والوصول لمعرفة الله حقَّ المعرفة.

هذا وقد عجت الكثير من الكتب بذكر التفكير وأنماطه ومهاراته، واعتباره من أعظم انجازات العلوم الإنسانية تعليم التفكير وتنميته، ولكن بالتبصر والتعمق في ذكر الله وآياته نجد بما لا يدعو للشك أن كتابَ الله جلَّ وعلا لم يكن بمنأى عن الدعوة للتفكير  بكل أنواعه وأنماطه ومهاراته، فهناك نجد الدعوة للتدبر والتأمل في خلق الله فلقد قال الله تعالى ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾  فهذه دعوة صريحة للتفكر والتأمل  أي أننا بلغة العصر نجد في الآية الكريمة نمطاَ من أنماط التفكير ألا وهو التفكير التأملي ومثالٌ آخر في (سورة آل عمران، الآيات 190-191) قوله تعالى ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

وهناك أيضا بين سطور كتاب الله وآياته الكريمة نجد التفكير الناقد الذي ينسب لأفلاطون وتلامذته بأنهم أبدعوا في هذا التفكير ووضع أسسه، ولكن نجد في كتاب الله الكثير من الأمثلة الراقية التي تدعو بالحكمة والموعظة الحسنة لإبداء الرأي فيقول الله تعالى “قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” (سورة البقرة، الآية 111).

ولكن قد يأتي بعض المشككين في كتاب الله وصدق آياته ومناسبته لكل زمان ومكان بأن يدعي بأنه لا وجود لأنماط التفكير الحديثة حيث أن التفكير الناقد والتأملي تعتبر من أقدم الأنماط التي عرفها الانسان في العصور الوسطى وقبل عصر الثورة الصناعية الرابعة، فهل هناك أمثلة لأنماط حديثة للتفكير في كتاب الله محكم التنزيل؟  هل لو تمعنا بآيات الله سنرى آيات تحتوي على انماط التفكير الحديثة كالتفكير التصميمي والذي يعتبر الاساس الذي تبنى عليه ريادة الاعمال في القرن الحادي والعشرين؟

فالتفكير التصميمي هو أحد انماط التفكير التي بنيت على أبحاث علمية ودراسات وممارسات ميدانية لخليط من المعارف والعلوم أهمها: العمارة والهندسة، والعلوم الإنسانية، وإدارة الأعمال (فطاني والحربي، 2022: 87)، وقد عرف برنامج الامم المتحدة الانمائي (2017: 5) التفكير التصميمي بأنه منهجية تقوم على إيجاد الحلول والابتكار المرتكز أساساً على الإنسان. وهي عملية تقوم على خمس خطوات الملاحظة، التصور، النمذجة، الاختبار، التنفيذ. وعرفه (الدوسري وعبد الكريم،2024: 815) بأنه منهجية غير خطية؛ لتوليد الحلول الابتكارية للمشكلات التي تعجز الطرق التقليدية عن حلها، تتكون من خمس عناصر (تبدأ بالتعاطف وتنتهي بالاختبار) تجتمع في استراتيجية متكاملة ومنسقة، ويتم تطبيقها على المشكلات التي تواجه المجتمع في مختلف المجالات، وهو تفكير متمحور حول الإنسان يشير بشكل جوهري إلى أنه يمكننا استخدام تعاطفنا وفهمنا مع الأشخاص لتصميم تجارب تخلق فرص المشاركة النشطة.

لذلك فإن المتعمق في التفكير التصميمي يجده نهجاً لحل المشكلات، المعقدة، يُركز على التعاطف والإبداع والابتكار لإيجاد حلول تُلبي الاحتياجات الإنسانية. من خلال الجمع بين التفكير الناقد والتفكير الابداعي لابتكار حلول متنوعة للقيام بعملية النمذجة والتجريب مع التقييم والتحسين بشكل مستمر. فالتفكير التصميمي يتمحور حول فهم منظور المستخدم، وتكرار الأفكار، وتحسين الحلول باستمرار لتحقيق أفضل النتائج.

ولكن هل نجد للتفكير التصميمي ملامح في آيات القرآن الكريم؟

تتجلى عظمة القرآن الكريم واعجازه بأنه صالح لكل زمان ومكان فكثيرا ما نجد الآيات الكريمة التي تحث على الإبداع، والاستقصاء، وإعادة النظر في الحلول، والتي تمثل في جوهرها التفكير التصميمي. بالرغم من حداثة التفكير التصميمي فهو من مخرجات الثورة الصناعية في القرن العشرين، إلا أننا نجد مبادئه الأساسية ترجع إلى التعاليم الإسلامية. ففي الإسلام، يُركز على حل المشكلات بشكل شامل، والمسؤولية الأخلاقية، والتحسين المستمر، وكلها تتوافق مع المراحل الرئيسية للتفكير التصميمي. (islam , 2024)

وتتجلى مظاهر الدعوة لتوظيف التفكير التصميمي في القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة فالقارئ للقرآن والمتبصر له يعرف أن هذه المبادئ ليست جديدة؛ فالقرآن الكريم كان له السبق في تحفيز التفكير الإبداعي وحل المشكلات المعقدة بأسلوب تصميمي متكامل. خير مثال لذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ۝ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ۝ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ …﴾ (الكهف: 94–96) هنا تتجلى عظمة القرآن الكريم بالدعوة لتوظيف التفكير التصميمي وذلك بتوجيه مصمم الحلول الابتكارية بإذن الله وتوجيه ذو القرنين ليستمع لشكاوي القوم حول فساد يأجوج ومأجوج وفهم احتياجاتهم ومشكلتهم الحقيقية المتمثلة في التهديد الأمني.

مهارات التفكير التصميمي في القرآن الكريم 

وحتى نجد ملامح التفكير التصميمي ضمن الآيات الكريمة في القرآن نبحث عن مهاراته المكونة له والتي نعتبرها أمثلة عملية لتطبيق تلك المهارات لحل المشكلات التي تعترض حياة الإنسان بطريقة ابداعية خلاقة وكيف لا وهي من عند الله عز وجل.

 “مرحلة التعاطف” أولى تلك المهارات المكونة لمراحل التفكير التصميمي والتي تمثل مرحلة التعايش مع المشكلة وتعد حجر الزاوية في عملية التفكير التصميمي المتمركز حول الإنسان، والتعاطف وتوفر نقطة انطلاق حاسمة للتفكير التصميمي، حيث تهتم هذه المرحلة بالتعرف على الاحتياجات والأهداف للإنسان، وهذا يتطلب فهم المستوى النفسي والعاطفي لهم، وجمع رؤى حقيقية حولهم. (جبارين، 2021 : 17) وذلك من أجل ابتكار حلول فعّالة لمشكلاتهم.

وإذا تأملنا القرآن الكريم، نجد العديد من الآيات التي تُجسد هذا المعنى؛ حيث يوجهنا الله سبحانه إلى مراعاة مشاعر الآخرين وفهم ظروفهم والتفاعل مع معاناتهم، وهو جوهر التعاطف في التفكير التصميمي.  فنجد قوله تعالى في سورة الضحى (93: 9-10) ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ۝ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ وهنا يتمثل التوجيه الرباني بضرورة مراعاة مشاعر اليتيم والسائل وعدم إيذائهما. وتمثل تعاطفًا عميقًا مع الفئات الضعيفة وفهم احتياجاتهم. وقوله تعالى في سورة البقرة (2:83) ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فهنا يوجه دعوة للتحدث مع الناس بالكلمة الطيبة. حيث يظهر التعاطف في التواصل اللفظي الداعم الذي يراعي مشاعر الآخرين. وفي سورة النساء (4:36) ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ…﴾ دعوة شاملة للعطف والإحسان على الفئات المحتاجة. تمثل التعاطف مع الفئات المهمشة والضعيفة وفهم حاجاتهم. سورة عبس (80: 1-3) ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ۝ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾ وهنا يظهر عتاب للنبي ﷺ لأنه انشغل عن الأعمى. لذلك فإن التعاطف هنا في مراعاة شعور ذوي الاحتياجات الخاصة واحتياجاتهم الروحية. وهناك الكثير والكثير من الأمثلة التي يحثنا فيها القرآن ضرورة التعاطف وفهم احتياجات الناس ومن نتعامل معهم مهما كانت مستوياتهم وطبقاتهم قبل تصميم حلول لهم,

“مرحلة التحديد” أو مرحلة التعريف وفيها يتم جمع نتائج مرحلة التعاطف والبدء في فهم الصعوبات التي تواجه الانسان بحيث يكون في نهاية المرحلة بيان واضخ للمشكلة، بحيث تركز على الانسان واحتياجاته بالمقام الأول (جبارين، 2021 : 17) ومن الأمثلة القرآنية التي تجسد المهارة الثانية لمهارات التفكير التصميمي قوله تعالى في سورة طه ( 20 : 25-27) ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾

وهنا يظهر دعاء موسى عليه السلام لتيسير مهمته عند مواجهة فرعون. ويمثل تحديدًا واضحًا للاحتياجات التي تساعد على تحقيق الهدف. وفي سورة يوسف (12 : 55) ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ يوسف عليه السلام حدد قدراته وأهلّ نفسه لإدارة الأزمة الاقتصادية. من خلال تحديد دقيق للمهارات الشخصية والموارد اللازمة لحل المشكلة. سورة الكهف (18: 79) ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ…﴾ الخضر يوضح سبب خرق السفينة لحماية المساكين من ظلم الملك. مهارة تحديد جوهر المشكلة وهي حماية مصدر رزق الفقراء.

سورة يوسف (12: 43) ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ…﴾ الملك رأى رؤيا معقدة فاحتاج إلى تفسيرها لتحديد معناها. مثال على تحديد المشكلة بدقة قبل البحث عن حل. وفي سورة الكهف (18: 94- 95) ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ…﴾ القوم حددوا مشكلتهم بوضوح وهي فساد يأجوج ومأجوج. بداية الحل كانت تعريفًا دقيقًا للمشكلة قبل بناء السد.

المرحلة الثالثة توليد الأفكار: في هذه المرحلة يحدث الابداع حيث يتم البدء بصياغة الحلول المقترحة للمشكلة من خلال جلسات العصف الذهني والخرائط الذهنية والعصف الجسدي (سيناريوهات لعب الأدوار). (جبارين، 2021: 18) باقتراح أكبر عدد ممكن من الحلول الإبداعية لمشكلة ما، مع التفكير بطرق غير تقليدية ومبتكرة قبل اختيار الحل الأمثل. والقرآن الكريم يحتوي على العديد من المواقف التي تعكس التفكير الإبداعي في اقتراح وتوليد الأفكار وتنوع الحلول، مما يبرز أهمية توليد الأفكار قبل اتخاذ القرار أو تنفيذ الخطة. سورة يوسف (12: 46) ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ. ﴾ عندما طلب الملك تفسير رؤياه، قدّم يوسف فكرة إبداعية لإدارة موارد مصر خلال سبع سنوات عجاف. فلقد قدّم خطة متكاملة جمعت بين التفكير الإبداعي والتخطيط الاقتصادي. وأيضا نجد في سورة يوسف (12: 10( ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أحد إخوة يوسف قدّم بديلًا عن القتل وهو إلقاؤه في البئر ليأخذه المارّة. هذا مثال على اقتراح حلول متعددة قبل اتخاذ القرار. سورة القصص (28 : 26) ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ…﴾ ابنة شعيب قدّمت فكرة استئجار موسى عليه السلام لمساعدتهم، وهي فكرة لم تكن مطروحة سابقًا. تمثل ابتكار فكرة عملية لحل مشكلة حقيقية في حياتهم اليومية.

المرحلة الرابعة: مهارة النمذجة وهي مرحلة بناء النموذج الأولي للأفكار حيث تمثل تحويل الأفكار إلى نماذج أو حلول عملية يمكن اختبارها مبدئيًا حيث يتضمن التجريب وتحويل الأفكار إلى منتجات ملموسة. فالنموذج الأولي هو في الأساس نسخة مجسمة من المنتج، الذي يتضمن الحلول المحتملة التي تم تحديدها في المراحل السابقة. هذه الخطوة هي المفتاح في وضع كل حل للاختبار وتسليط الضوء على أي قيود وعيوب. وخلال مرحلة بناء النموذج الأولي يمكن قبول الحلو ل المقترحة، أو تحسينها، أو إعادة تصميمها أو رفضها حسب كيفية تقديمها في شكل نموذج أولي (جبارين، 2021 : 18). والمتأمل للقرآن الكريم يجد العديد من النماذج الأولية لحلول للمشاكل سواء في مواقف الأنبياء أو في عرض قصص الأمم السابقة. لتصبح انموذجا نقتدي به في حياتنا ونرى من خلالها عظمة الخالق في كيفية هداية الإنسان لسواء السبيل بنور البصيرة والايمان الحق. ففي سورة البقرة (2 : 260) يقول الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى…﴾ أمر الله إبراهيم أن يأخذ أربعة من الطير ويمزقها ثم يضع أجزاءها على الجبال ثم يدعوها فتأتيه، ليُظهر له كيفية البعث. هنا نرى بناء نموذج عملي وتجربة عملية لفهم قدرة الله على إحياء الموتى. وفي سورة يوسف (12 :47-49) ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا…﴾ يوسف عليه السلام اقترح نموذجًا اقتصاديًا عمليًا لمواجهة المجاعة عبر تخزين المحاصيل خلال سنوات الرخاء. يعكس إنشاء خطة عملية مُجرَّبة لتحقيق الأمن الغذائي، وفي سورة النمل (27 :38-40( ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ…﴾ سليمان عليه السلام طُرحت أمامه عدة نماذج مختلفة لإحضار عرش بلقيس، واختار أسرع وأفضل طريقة. يبرز اختبار عدة نماذج عملية قبل اعتماد الحل الأنسب. وسورة الكهف (18 :95-96) ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ…﴾ ذو القرنين صمم نموذجًا هندسيًا لبناء سدّ ضخم بين الجبلين لحماية القوم من يأجوج ومأجوج. مثال واضح على التطبيق العملي لفكرة هندسية قبل تحقيق الهدف النهائي.

المرحلة الخامسة: وهي مرحلة الاختبار، فبعد بناء النموذج الأولي يأتي اختبار المستخدم لمدى فعاليته في تقديم حلول ابداعية لمشكلته، ولكن من المهم ملاحظة أنه من النادر أن يكون هناك نهاية لعملية التفكير التصميمي. ففي الواقع، إن نتائج مرحلة الاختبار غالبًا ما تقود إلى خطوة سابقة، وتوفر رؤى تحتاج إلى إعادة تعريف بيان المشكلة الأصلي أو الخروج بأفكار جديدة لم يتم التفكير بها من قبل. (جبارين، 2021 :18)

والقرآن الكريم يقدّم العديد من الأمثلة التي تعكس مرحلة الاختبار، حيث يتم تجربة الحلول عمليًا أو التحقق من جدواها قبل تعميمها أو اعتمادها نهائيًا. نجد في سورة آل عمران (3: 152) ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ…﴾ في معركة أُحد، اختُبرت خطط المسلمين عندما ترك بعضهم مواقعهم، فظهرت آثار القرار مباشرة. اختبار عملي أظهر نجاح أو فشل الاستراتيجية المتبعة. وفي سورة يوسف (12: 70-75) ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ عندما أراد يوسف عليه السلام حجز أخيه، اختبر الخطة عمليًا عبر تفتيش الأوعية بطريقة ذكية أثبتت نجاح الخطة. ويمثل ذلك تجربة عملية قبل إعلان النتيجة النهائية. وفي سورة البقرة (2: 124( ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ اختبر الله إبراهيم عليه السلام بمجموعة من التكاليف ليُظهر التزامه الكامل. يوضح ذلك مرحلة التقييم العملي لمدى كفاءة الحلول والسلوكيات. وفي سورة الكهف (18: 79-82) قصة الخضر مع موسى، كخرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار. الخضر قام بتطبيق حلول عملية واختبارها ميدانيًا لبيان الحكمة وراءها لاحقًا.

وذلك يعتبر مثال على اختبار قرارات غير تقليدية قبل فهم نتائجها كاملة. وسورة النمل (27 : 38-40) قصة سليمان وعرش بلقيس، حيث تم اختبار عدة حلول لإحضار العرش.تم اختيار أفضل وأسرع حل بعد اختبار النماذج المتاحة. وذلك يعكس آلية الاختبار قبل اعتماد القرار النهائي.

وهنا نجد سؤالا هل من الممكن أن نجد جميع المراحل للتفكير التصميمي (التعاطف، التحديد، توليد الأفكار، النمذجة، الاختبار) أن تتجلى في قصة واحدة متكاملة من قَصَص القرآن الكريم، هذا يتطلب مواقف قرآنية تتضمن رحلة حل مشكلة، بدءًا من فهم احتياجات الآخرين وحتى اختبار الحلول. ومن أروع الأمثلة التي تجمع المراحل الخمس بوضوح هي قصة نبي الله يوسف عليه السلام، خصوصًا في مواجهة أزمة المجاعة في مصر، إضافة إلى بعض المواضع الأخرى. حيث نجد التعاطف لفهم احتياجات الناس في قوله تعالى ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ…﴾ )يوسف :43)  الملك رأى رؤيا تعبّر عن أزمة قادمة، واحتاج لفهم معناها لإنقاذ شعبه. يوسف تعاطف مع احتياجات المصريين وخطر المجاعة الذي يهددهم. من ثم ينتقل لمرحلة التحديد

لصياغة المشكلة بكلمات واضحة محددة بقوله تعالى ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ…﴾ )يوسف : 46) حيث طُلب من يوسف تحديد ماهية المشكلة بدقة: مجاعة ستستمر سبع سنوات. حدد يوسف المشكلة بوضوح وأعطاها إطارًا واضحًا للتخطيط. وهنا تأتي مرحلة الابداع لتوليد الأفكار باقتراح حلول مبتكرة ويتجلى ذلك بقوله تعالى ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّم فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ (يوسف:47) ابتكر يوسف خطة ذكية لتخزين القمح أثناء الرخاء استعدادًا للجفاف. يوسف طرح حلًا إبداعيًا وغير مألوف لتجاوز الأزمة بنجاح. ومن ثم تبدأ عملية النمذجة لتنفيذ النموذج الأولي بقوله تعالى ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ (يوسف:54) بعد نجاح الخطة نظريًا، عيّنه الملك مسؤولًا عن خزائن الأرض لتنفيذ النموذج عمليًا. يوسف بدأ بتجربة الخطة من خلال إدارة المخازن بنفسه. وأخيرا محلة الاختبار لتجربة الحل وقياس النجاح

﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ…﴾ (يوسف:58) مع بدء سنوات الجفاف، جاء الناس لطلب الطعام، فاختُبرت الخطة عمليًا. نجح الاختبار؛ إذ أثبتت الخطة فعاليتها في إنقاذ الناس من المجاعة.

ونجد من ميزات التفكير التصميمي انه عملية تكرارية ليست خطية لأن انجاز أي مرحلة لا يعني عدم العودة لها مستقبلا، بل يمكن العودة لها بعد المزيد من الرؤى والأفكار الجديدة وهذا أيضا لا يعني الاستمرار بحلقة مغلقة فبعد الاختبارات لعدد من النماذج من قبل المستخدم سيصل إلى النتيجة المطلوبة التي يجب أن يكون واضحاً في رسم مسارها ومتطلباتها. والأمثلة القرآنية الجلية لذلك قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام وسعيه لمعرفة الله عز وجل  ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ۝ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ۝ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ )الأنعام: 76-78( حيث تمثلت مشكلة سيدنا ابراهيم بمشكلة وجودية وهي من هو الإله الحق؟ وبدأت عملية توليد الأفكار، وتجربة فرضيته الأولى أن الكوكب قد يكون ربه، ومن ثم توالت الحلول المتتابعة واختبارها عملياً، بنظره الى القمر والشمس، وفشل الحلول في كل مرة دفعه لتكرار البحث، حيث جميع الفرضيات فشلت؛ لأنها تأفل ومن ثم تم الوصول بعد سلسلة تكرارية من التجريب، وصل للحل الصحيح: الإيمان بالله الواحد الأحد.

إنَّ القرآن الكريم زاخر بالقصص والمواقف التي تُجسِّد أرقى صور التفكير التصميمي بمراحله الخمس: التعاطف، التحديد، توليد الأفكار، النمذجة، والاختبار، فهو كتاب هداية يوجّه الإنسان إلى التفكّر، والتدبّر، وحلّ المشكلات بطريقة منهجية قائمة على الإبداع والتخطيط. صدق الله العظيم بقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر:75)


المراجع

  • القرآن الكريم
  • جبارين، يسرى. “مستوى استخدام التفكير التصميمي في التدريس لدى معلمي العلوم في محافظة جنين”. رسالة ماجستير غير منشورة جامعة النجاح الوطنية، فلسطين (2021).
  • الدوسري سعد، العبدالكريم راشد (2024). “أثر وحدة تعليمية مستندة على التفكير التصميمي في مهارات التفكير الابداعي لدى طلاب الصف الأول الثانوي”. مجلة الدراسات التربوية والانسانية. كلية التربية جامعة دمنهور مج ( 16) ، ع( 3) ص ص  808 – 852
  • برنامج الأمم المتحدة الانمائي (2017). التفكير التصميمي دليل لنمذجة حلول أهداف التنمية المستدامة. UNDP

البحث في Google:





عن عزة مسعد نايف وادي

ماجستير مناهج وطرق تدريس ، باحثة دكتوره ، مديرة مدرسة ثانوية - قطاع غزة - فلسطين

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من تعليم جديد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading