مقدمة
تعتبر إدارة الموارد البشرية عنصراً حيوياً لما لها من دور بارز في النهوض بالمؤسسة وبلوغ أهدافها في ظل الظروف المستقرة، من خلال وضوح المهام والأدوار والمسؤوليات لكل موظف في الهيكل التنظيمي. وتتنامى أهمية هذا الدور خلال الأزمات التي قد تتعرض لها المؤسسة، فتكون إدارة الموارد البشرية أمام تحدٍّ كبير في التحول من الدور التقليدي لها المتمثل في تنظيم القوى العاملة بطريقة فعالة لبلوغ أهداف المؤسسة بقدرٍ عالٍ من الكفاءة والفاعلية، إلى توفير الدعم النفسي وضمان سلامة العاملين وإعادة هيكلة العمل لضمان استمرار العملية التعليمية بشكل يُظهر قدرة المؤسسة على الاستمرار وتجاوز الأزمات.
إن التحديات الكبيرة التي عاشتها أقسام إدارة الموارد البشرية في المؤسسات حول العالم بشكل عام، والمؤسسات الفلسطينية بشكل خاص في العقد الأخير، تُعتبر درساً حقيقياً نأخذ منه الدروس والعبر لإدارة الأزمات. ولعل أزمة كورونا بمثابة اختبار حقيقي لقدرات حكومات العالم في كيفية إدارة الأزمة، وكيفية التعامل مع تأثيراتها المختلفة؛ حيث أدارت بعض الدول تلك الأزمة بعقلانية وحزم ومسؤولية من أجل الحفاظ على صحة مواطنيها وحياتهم، بينما تعاملت دول أخرى مع هذه الأزمة باستهتار؛ وذلك من أجل المحافظة على سمعتها الدولية، وبالتالي فإن اختلاف الدول في التعامل مع تلك الأزمة، هو اختلاف في إدارة هذه الأزمة (البلك، 2024: 4).
فقد كانت أزمة كورونا بمثابة جرس تنبيه لجميع المؤسسات العالمية والمحلية إلى ضرورة رفع الجهوزية العالية من خلال إدارة الكادر البشري بالشكل الذي يُمكّنه من مجابهة تلك الأزمات والتقليل من مخاطرها.
لقد أصبح من الضروري أن تتبنى المؤسسات نهجاً متكاملاً يجمع بين ممارسات إدارة الموارد البشرية وإدارة الأزمات؛ حيث إن إدارة الأزمات ليست مجرد استجابة للحالات الطارئة، بل هي منهجية علمية تشمل التخطيط الاستباقي، وتحليل المخاطر، واستثمار الموارد بكفاءة. وفي هذا السياق يظهر الدور المحوري لإدارة الموارد البشرية في ضمان إعداد الكادر البشري وتأهيله للتعامل مع الأزمات والمواقف الطارئة، بما يضمن استمرارية الأعمال وتقليل الخسائر (حداد، 2020: 70).
تعريفات متعلقة بإدارة الموارد البشرية
نستعرض فيما يلي بعض التعريفات لممارسات إدارة الموارد البشرية كما وردت في الأدب التربوي وفق السياقات التي يتم استخدامها فيها:
- مفهوم إدارة الموارد البشرية: هي عملية استقطاب واختيار، وتطوير وتنمية وتقييم، ومكافأة وإدارة أعضاء المؤسسة. وبهذا تشتمل على تصميم وتطبيق أنظمة التخطيط، والاختيار، وتنمية المهارات البشرية، وإدارة المسارات الوظيفية، وتقييم الأداء، وتعويض العاملين، وتسهيل علاقات العمل (المغربي، 2016: 27).
- ممارسات إدارة الموارد البشرية: تُعرف بأنها مجموعة من السياسات والإجراءات التي تهدف إلى ضمان تحقيق التوازن بين أهداف المؤسسة واستراتيجياتها من جهة، وتحقيق تنمية وتطوير الكفاءات البشرية من جهة أخرى؛ حيث إن هذا التكامل يُعتبر أساساً لتحقيق الأداء الفعال (البحيري، 2023: 75).
تعريفات إدارة الأزمة
الأزمة كلمة يونانية الأصل، وهي مصطلح ظهر أول ما ظهر في المجال الصحي؛ فهي تعني نقطة التحول في حياة المريض عندما تشتد حالته، بعد ذلك إما أن يتجه إلى التعافي أو تتراجع حالته خلال فترة زمنية قصيرة.
حيث عرّفها (بوراس وبلخير، 2021: 36) بأنها: حالة غير متوقعة تؤدي إلى اختلال الأعمال الاعتيادية للمؤسسة.
وتُعرف إدارة الأزمة بأنها: مجموعة من الأنشطة والممارسات المنظمة التي تقوم بها المؤسسة لتحديد الأزمات المحتملة والمتوقعة، والتخطيط المسبق لها، والاستعداد للتعامل معها بكفاءة وفعالية، للتقليل من آثارها السلبية عند حدوثها (Lai & Wong, 2020).
وسنقوم باستعراض موضوع إدارة الموارد البشرية في ظل الأزمات مع إسقاطها على الواقع الفلسطيني الذي نعيشه في قطاع غزة قبل وأثناء حرب الإبادة التي بدأت شرارتها في صباح يوم السابع من أكتوبر من عام 2023م معلنة بداية الأزمة.
لم تكن حرب الإبادة الأزمة الأولى التي تعيشها المؤسسات الفلسطينية بشكل عام ومؤسساتنا التربوية بشكل خاص، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة؛ إن الواقع التربوي في المجتمع الفلسطيني واقع تربوي استثنائي نتيجة النزاعات المستمرة والحصار، مما يفرض على إدارات التعليم (حكومية، أونروا، وخاصة) تبني نماذج إدارة موارد بشرية تتسم باللامركزية الشديدة والاعتماد على رأس المال النفسي والاجتماعي.
إن الأزمة التي فاقت كل التوقعات استمرت لفترة زمنية غير مسبوقة، فمنذ اللحظة الأولى كان هناك تغيير في الهيكلية العاملة في المجال التربوي، سواء على صعيد العاملين في المدارس الحكومية أو مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجرين؛ حيث أصبح المعلم الفلسطيني مثلاً يُحتذى به حين حمل على كاهله مهمات العمل الإغاثية مع توقف العملية التعليمية بشكل تام، ليعود من جديد مع بداية انطلاق العملية التعليمية في شهر يناير 2025 ليجسد دوره البطولي في تقديم الخدمة التعليمية بأقل الإمكانات المتوفرة لديه، حيث إن التعليم يُعتبر الركيزة الأساسية وأداة صمود للمجتمع الفلسطيني.
وهنا يمكن أن نستعرض إدارة الموارد البشرية خلال إدارة أزمة حرب الإبادة على النحو التالي:
التخطيط للقوى العاملة وإعادة توزيع المهام
مع اشتداد الأزمة، كان من الصعب الإبقاء على الهياكل التنظيمية المعمول بها على النحو السابق؛ فقد تعذر وصول الكثير من المعلمين إلى أماكن عملهم أو الأماكن التي أُتيحت للعمل، بالإضافة إلى تزايد الأعباء الملقاة على عاتقهم من نزوح وتلبية الاحتياجات الأساسية لهم ولعائلاتهم.
وهنا يأتي دور:
- المرونة في الهياكل التنظيمية: يجب أن تُبنى هياكل تنظيمية مسطحة وسريعة الاستجابة لتمكين اتخاذ قرارات سريعة (Armstrong & Taylor, 2020).
- إعادة توزيع المهام: تمكين الموظفين المتاحين بمهام جديدة تتناسب مع ظروف الأزمة، مثل إدارة مديري المدارس للتعليم عن بُعد من خلال المنصات التعليمية المعتمدة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، وإشراك معلمين ذوي خبرة في المساحات التعليمية المؤقتة التي أُقيمت في أماكن تجمع النازحين في بيئات غير مجهزة.
إدارة الصحة والسلامة المهنية
مع انتهاك الاحتلال الغاشم لحرمة وقدسية المؤسسات التربوية وانتهاك القانون الدولي، ولأن سلامة الكادر التعليمي أولوية قصوى، يجب اتباع:
- قواعد الأمن والسلامة للكوادر البشرية: من خلال وضع إجراءات واضحة للإخلاء أو العمل من المنزل، وتوفير بيئة آمنة في حال استمرار العمل الوجاهي.
- الدعم النفسي والاجتماعي: من خلال تفعيل برامج لتقديم الدعم النفسي للمعلمين لمساعدتهم على التعامل مع الصدمات الناتجة عن النزاعات، مما يؤثر بشكل إيجابي على أدائهم سواء داخل الصفوف الافتراضية أو المساحات التعليمية (International Labour Organization [ILO], 2020).
التواصل وإدارة التغيير
لقد كانت آلية الاتصال صعبة للغاية؛ فتوقف شبكات الاتصالات في أغلب الأوقات وانقطاع الإنترنت، ونزوح العاملين من أماكن سكناهم، كل هذا كان عائقاً أمام المؤسسات التعليمية. ولأن التواصل الفعال يبني الثقة ويقلل من حالة عدم اليقين لدى العاملين، يجب العمل على:
- إنشاء قنوات تواصل موثوقة: تمثل وسيلة اتصال سريعة لإطلاع الموظفين على المستجدات بشكل رسمي وبموثوقية عالية.
- الشفافية: من خلال العمل على مشاركة المعلومات حول وضع المؤسسة، وإيضاح بعض الأمور والقضايا التي تشكل عصب الحياة المهنية مثل الرواتب والخطط المستقبلية، للحد من الإشاعات وتأثيرها على العاملين.
التدريب وتطوير القدرات
إن الأزمات تتطلب مهارات وآليات جديدة يجب على العاملين إتقانها لم تكن مطلوبة سابقاً؛ فلقد كان لأزمة كورونا أثر بالغ الأهمية في منح العاملين القدرة لمسايرة الإجراءات المتبعة للتخفيف من حدة الأزمة الحالية، إلا أن هناك عوامل عديدة حالت دون ذلك؛ منها الانقطاع التام لشبكة الكهرباء والإنترنت، والنزوح المتكرر للطلبة والعاملين من أماكن إقامتهم، وتدمير ما نسبته 85% من المؤسسات التعليمية، وغياب حالة السلامة والأمان للكوادر العاملة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى:
- التحول الرقمي: من خلال تدريب المعلمين على أدوات التعليم الإلكتروني والمنصات الرقمية لضمان استمرارية التعليم (UNESCO, 2021).
- إدارة الأزمات: من خلال تأهيل القيادات التربوية للتعامل مع النزاعات وإدارة المخاطر، وتحسين قدراتهم المهارية في التواصل لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للعاملين ورفع الروح المعنوية لهم من خلال وضوح الرؤية والأهداف المستقبلية.
ومن خلال ما سبق، يتضح لنا أن إدارة الموارد البشرية في المؤسسات التربوية خلال الأزمات هي عملية ديناميكية ترتكز على الجانب الإنساني قبل الجانب الإداري. كما أن نجاح المؤسسة يعتمد على قدرتها على حماية طواقمها ودعمهم، وهذا كله يضاعف الجهود المبذولة من قبلهم، مما ينعكس بشكل إيجابي على الدور المبذول في دعم الطلبة وتحقيق أهداف المؤسسة والمجتمع.
وفي نظرة تأملية للواقع الفلسطيني، نجد أننا أمام عملية معقدة للغاية؛ فتارة نثمن الجهود المبذولة كأداة صمود في استمرار العملية التعليمية لأن المعلم الفلسطيني يؤمن برسالته النبيلة ويقدس عمله الذي يعتبره جزءاً من الانتماء الوطني، ومن جانب آخر نقول إننا بحاجة إلى إعادة ترتيب مؤسستنا التربوية للخروج من تلك الأزمة المريرة.
المراجع:
- المغربي، محمد (2016). إدارة الموارد البشرية (ط. 1). دار الجنان للنشر والتوزيع.
- حداد، تمارا (2020). دور إدارة الموارد البشرية في إدارة الأزمات والمخاطر. مركز المرأة الإعلامي.
- بوراس، تيسير وبلخير، أحمد (2021). إدارة الأزمات الصحية في الجزائر: دراسة أزمتي الكوليرا (2018) وكورونا (2020). المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، 3(10)، 33-48.
- البلك، ملك (2024). أثر أزمة كورونا على استراتيجيات إدارة الموارد البشرية “دراسة تطبيقية على قطاع التعليم العالي”. المجلة العلمية، 14(4)، 4520-4539.
- البحيري، هشام (2023). تأثير ممارسات إدارة الموارد البشرية على إدارة الأزمات التنظيمية: الدور الوسيط للقيادة الموقفية: دراسة تطبيقية على شركات البترول العاملة في مصر. المجلة العلمية للدراسات والبحوث المالية والتجارية – كلية التجارة – جامعة دمياط، 4(2)، 72-87.
- UNESCO. (2021). Education in a post-COVID world: Nine ideas for public action. Futures of Education | UNESCO.
- International Labour Organization. (2020). Managing the COVID-19 pandemic response in the workplace. COVID-19 and the world of work | International Labour Organization.
- Armstrong, M., & Taylor, S. (2020). Armstrong’s handbook of human resource management practice (15th ed.). Kogan Page.
- Lai, L. K. W., & Wong, J. W. C. (2020). Comparing crisis management practices in the hotel industry between initial and pandemic stages of COVID-19. International Journal of Contemporary Hospitality Management, pp. 3136-3137.
تعليم جديد أخبار و أفكار تقنيات التعليم