الرئيسية » رأي » الفصول الافتراضية في الجامعات السعودية، تعليم الصمّ نموذجًا
الواقع الافتراضي في التعليم

الفصول الافتراضية في الجامعات السعودية، تعليم الصمّ نموذجًا

يُعدُّ التعليم الافتراضي من الطرائق الحديثة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بواقعية الحياة؛ فهو افتراضيٌّ في آلياته وأدواته، واقعيّ في تعايشه وعلاقاته التنظيرية والتطبيقية.

ومن خلال هذا المضمون سأدرج في هذه الورقة العلمية نبذة عن التعليم الافتراضي وميزاته، وكيف وظفت الجامعات السعودية تطبيق آلياته وإجراءاته على فئة الصمّ نموذجًا، وهل نجحت في ذلك؟
سيظهر للمتلقي مدى فاعلية تطبيق الابتكارات الآلية البديلة وأهمية استخدامها خاصة من النواحي التعليمية الافتراضية أيًّا كانت الدوافع إلى ذلك.

إن الواقع الافتراضي كما عرّفه (الحلفاوي، 1432) هو “بيئة تفاعلية ثلاثية الأبعاد مولدة بواسطة برامج كمبيوترية تقوم بإحاطة المستخدم وإدخاله في عالم وهمي (مصطنع) بحيث يبدو هذا العالم وكأنه واقعي نتيجة التفاعلات التي تحدث بين هذه البيئة الافتراضية وحواس المستخدم”، وتتسم هذه البيئة بالمرونة في الأداء واليسرٍ في الوسيلة، خاصة لغير القادرين على التواصل المباشر؛ إما لصعوبة البلوغ اجتماعيًا وجغرافيا، أو لأن هذا النوع من التعليم يُعدُّ الخط الأول والأنسب والمنطقي في توفير السبل وتحقيق الغايات وتحديدًا لفئة الصمّ.

ويحتل هذا النمط من التعليم ذروة التجديد ومدى الحاجة إليه، فيجمع بين مواكبة المسيرة التعليمية للعوالم التكنولوجية؛ رغبة في التطور والتجديد بعيدًا عن التقليدية وأملًا في الصدارة، وتفاديًا للتراجع والركود المعرفي البيّن في ظل هذا الازدهار الحضاري.

وحين يكون الحديث عن فئة معينة ومدى أثر التعليم الافتراضي عليها؛ فإنها تحتاج من الباحث دراسة تكون أكثر دراية وأكثر وعيًا للإحاطة بما لها وعليها حيال آليات التعليم الافتراضي في ظل ما يطرأ من تطورات أو طوارئ كالتي ترتبت عن  وباء كورونا –كوفيد 19-  حيت قصر التعليم على الصفوف الافتراضية بعيدًا عن خطورة انتشار المرض وتحقيقًا لدواعي السلامة، وجاء هذا القرار عامًا شاملًا جميع المراحل التعليمية وجميع أفراده بلا استثناء، فالحديث هنا خاص بفئة معينة لها احتياجاتها التي لا تتحقق إلا بإجراءات تعدُّ لدى غيرهم من البدائل أو من الطوارئ.

والمملكة العربية السعودية أولت اهتماماً بارزاً بالتعليم بمختلف مراحله وفئات مجتمعه، وعلى وجه الخصوص الأفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ إذ وفرت البرامج الخاصة والخدمات المساندة لهم، وكانت البداية الفعلية لتعليم الطلبة الصم في المملكة العربية السعودية في العام (1384هـ) من خلال افتتاح أول معهد للطلبة الصم في مدينة الرياض. وظهر الاهتمام بتعليم الأفراد الصم بشكل خاص وتعليم الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام من خلال صياغة قواعد تنظيمية لمعاهد وبرامج التربية الخاصة والتي تشكل خارطة الطريق لعمل هذه البرامج في مرحلة التعليم العام.

وشيئًا فشيئًا ومع تطور الحياة الاجتماعية وتوافر الإمكانات، كان عام (1415هـ) باكورة فكرة التعليم العالي للطلبة الصم وذلك من خلال مقترح مقدم من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز لإنشاء كلية خاصة بالطلبة الصم، وفي تاريخ (4-5-1423هـ) صدرت موافقة المقام السامي رقم (7/ب/9173) والقاضي بتمكين الأفراد الصم وضعاف السمع من مواصلة التعليم العالي بالجامعات والكليات أسوة بأقرانهم السامعين. وتنوعت تجارب برامج التعليم العالي للطلبة الصم وضعاف السمع بين الفشل والنجاح وبين الاستمرار والتوقف. وكان “برنامج التعليم العالي للطلبة الصم بكلية الاتصالات” الأول من نوعه كبرنامج للطلبة الصم بالمملكة، إذ تم افتتاحه بتاريخ 28-8-1425هـ. وفي عام 1426هـ تم تخصيص عشرة مقاعد للطالبات الصم للدراسة في كلية التربية للاقتصاد المنزلي والتربية الفنية، وأيضاً تم قبول الطالبات الصم وضعيفات السمع في كلية التربية للبنات بمكة المكرمة، وكذلك في نفس هذا العام تمت الموافقة على منحة دراسية للطلبة الصم وضعاف السمع بواقع اثني عشر مقعداً مقابل رسوم وبنهاية الدراسة يمنح الطالب درجة البكالوريوس. (الأحمد،1438)

وكان عام 1432 -1433هـ البداية لبرنامج التعليم العالي للطلبة الصم بجامعة الملك سعود، فقد بادرت الجامعة بقبول غير مسبوق في استقبال الطلاب الصم لدراسة البكالوريوس، إذ كان عدد الطلبة الملتحقين بهذا البرنامج قرابة (40) طالباً وطالبة، وهذا ما صرح به رئيس قسم التربية الخاصة الدكتور الريس حيث قال: “في ظل التطوير المتسارع الذي تعيشه الجامعة في مختلف الجوانب يأتي اهتمام مدير الجامعة بقضايا الطلاب ذوي الإعاقة، ومنها الاهتمام بقبول الطلاب الصم وتهيئة كل السبل التي تكفل بمشيئة الله نجاح التجربة”. (العثمان، 1429)

وكان مما ركز عليه ذلك البرنامج، الاهتمام ببرنامج تأهيلي يتم فيه التغلب على المشكلات اللغوية في اللغة العربية لدى الطلبة ورفع مستوى المهارات اللغوية لديهم، ومن ثم ينتقل الى السنة التحضيرية ليتلقى تعليمه الجامعي بجانب زملائه السامعين مع توفر خدمات مساندة كتوفير مترجم لغة إشارة، وخدمة كتابة ملخصات للمحاضرات، وتوفير مواصلات لهم وتوفير المسكن، بالإضافة إلى إعطاء الطلبة مكافأة شهرية. ولهذا كانت تجربة جامعة الملك سعود في التعليم العالي للطلبة وضعاف السمع هي الأنجح من بين جميع التجارب في المملكة العربية السعودية حتى الآن، وهذا ما أكده المشرف العام للتعليم العالي لطلاب وطالبات الصم في جامعة الملك سعود.

كان لهذه الجائحة الأثر الكبير في تغيير مسار التعليم في المملكة العربية السعودية عامةً والتعليم الجامعي خاصة، بتحويل التعليم من تعليم تقليدي إلى تعليم عن بعد عن طريق الفصول الافتراضية، وهذا التغيير له أثره على طلاب التعليم الجامعي كافةً وطلاب الصم على وجه الخصوص؛ ولكن الجامعات بدعم من وزارة التعليم سخرت كافة الخدمات والإمكانات لتسهيل سير العملية التعليمية عن بعد وتخطي العقبات التي تواجهها بكل احترافية وسرعة معالجتها بما أوتيت من معطيات وخبرات. وقد استخدم التعليم الافتراضي من خلال فصول افتراضية فعالة؛ وذلك لدفع عجلة التعليم واستمراريته في ظل التغيرات العالمية التي تطرأ على المجتمع والعالم بأسره، وكان نجاح التعليم العالي بجامعة الملك سعود للطلاب الصم أكبر دليل على ذلك.

وتعدُّ تجربة جامعة الملك سعود في التعليم العالي للطلبة الصم الأنجح من بين جميع التجارب في المملكة العربية السعودية، وتتمثل في إتاحة الفرصة للطلاب والطالبات الصم بمواصلة تعليمهم الجامعي كغيرهم من فئات المجتمع على أسس علمية وأكاديمية راسخة، فقد قامت على رؤية تتمثل بالريادة على المستوى المحلي والإقليمي وذلك بتوفير بيئة لتنمية المهارات اللغوية والأكاديمية وتطويرها لدى طلاب وطالبات الصم وضعاف السمع ليواكبوا البيئة الجامعية بكل نجاح.

وقد قامت الجامعات السعودية بعمل كل التدابير والإجراءات؛ لكي تضمن نجاح هذه التجربة وتسخير كافة الإمكانات لتظهر إلى النور بالشكل الصحيح، سواء كان في النطاق الجامعي أو من خلال تجاربهم على مستوى التفاعل مع الإعلام فيما يخدم هذه الفئة المنتجة.

لقد تحولت الدراسة في الجامعات السعودية من التلقين إلى التلقي عن بعد عبر منصات التعليم الافتراضي، ومنها: منصة الزووم Learn Zoom أو منصة تعلم البلاكبورد Blackboard Learn أو جوجل كلاس روم Google Classroom، وغيرها من المنصات التي تخدم مساحة كبيرة من الفصول سواء للصم أو لكل طالب بلا تحديد في التعليم العالي. وهذه الخطى الرائدة كانت تنفيذًا للأمر السامي المطبق على كافة مناطق المملكة، وليس محصورًا على منطقة دون أخرى أو مرحلة دون أخرى.

ومن هنا نصل إلى نتائج ظاهرة ومن أبرزها:

  • أنّ ما يحسب للتعليم الافتراضي مساواته في التعامل مع جميع الأطياف، لا اعتبار لأحد على الآخر والتفاضل فيه يقع على ذوي الخبرات الناجحين في مسايرته، والمنتجين المساهمين في تطويره.
  • أن فئة الصمّ فئة قابلة لاستقبال التطبيق الإجرائي المتحقق من خلال الفصول الافتراضية، بما منحها الله من قوة تركيز ووعي وحب لبلوغ أعلى هرم الإنتاج المعرفي.
  • أن التعليم الافتراضي أثبت ميزة مساواته لجميع أطياف الناس وطبقاتهم، حيث بان ذلك واتضح جليًّا في ظهور وباء كورونا –كوفيد19 – وقى الله البلاد شره- باستفادة الطلاب منه تطبيقًا واتصالًا ومواكبة.

إن المعطيات العامة في هذه الورقة العلمية جاءت دعمًا للموضوع الرئيس الخاص بالصم بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن خلال تلك المعطيات والأساسيات في هيكلة هذه الدراسة أخلص إلى توصية تطويرية سواء للبحث العلمي أو  للبرامج التطويرية التقنية، وهي: تخصيص مجموعة مشتركة بين الطلاب الأصحاء والطلاب الصمّ بتكنيك علميّ يجمعهم في دراسة واحدة ضمن صفوف افتراضية مدمجة وتحت فرصة تتراوح بين 3-5 سنوات متواصلة؛ ليخرج بذلك جيلٌ يعي فكرة الاتحاد والمسايرة العلمية؛ وذلك لتُعطى الفصول الافتراضية لونا من الثقة والاعتماد لأي طارئ يطرأ على مسيرة التعليم في قادم الأيام، سواء سلبًا أم إيجابًا وعليه يكون الافتراضيُّ ابتداءً لا بديلًا.

 

المراجع:

الأحمد، محمد فهد. (1438هـ، الجمعة11 جمادى الآخر)، تجارب التعليم العالي للصم بين النجاح والفشل، جريدة الرياض، العدد 16234.

الحلفاوي، وليد سالم. (1432هـ). التعليم الالكتروني تطبيقات مستحدثة. ط1.القاهرة: دار الفكر العربي.           

العثمان، سلطان. (1429هـ، الاحد 28رمضان)، قبول الطلاب الصم بجامعة الملك سعود، جريدة الرياض، العدد 14706.

القحطاني، بدر ناصر. (بدون)، كلمة المشرف العام. تم استرجاعها من: https://deaf.ksu.edu.sa/ar/node/93

البحث في Google:






كاتب المقال

هيله سليمان عبدالله الدريهم  
كتب ما مجموعه 1 مقالات اضغط هنا لقراءتها

متخصصة في مناهج وطرق تدريس، المملكة العربية السعودية.





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *